ابن حزم
631
الاحكام
قال أبو محمد : وهذا باطل ، لأنه صار بهذا القول قافيا ما ليس له به علم ، ومثبتا حكما بلا برهان ، وهذا حرام بنص القرآن وإجماع الأمة ، وكل من خالفنا في هذا الأصل فإنه يتناقض ضرورة ويرجع إلى القول به . ألا ترى أننا اتفقنا كلنا على إيجاب خمس صلوات وادعى قوم أن الوتر فرض فوجب الانقياد لما اجتمعوا عليه ، وترك ما اختلفوا فيه ، إلا أن يأتوا بدليل على ما زادوا . وكذلك اتفقنا على أن في خمسين من البقر بقرة ، وقال قوم : في كل خمس بقرات شاة ، وقال قوم : في الثلاثين تبيع وفي الأربعين ، وقال قوم : فيما زاد على الأربعين بحساب ذلك بجزء من بقرة ، فوجب الاخذ بما اتفقوا عليه ، وترك ما اختلفوا فيه ، إذا لم يأتوا بدليل على ما ادعوا من ذلك . ووجب أن يلزم أحدا إلا البقرة في خمسين ، وهي المتفق عليه منهم ومن غيرهم ، لا ما زاد في إيجاب الغرامة في ذلك . ثم نقول لمن خالفنا في هذا الأصل : أرأيت إن اجتمع الناس على مقدار ما ؟ ثم قال قوم بأزيد منه ، ولم يأتوا على صحة قولهم بدليل : هل لك بد من ثلاثة أوجه لا رابع لها ، إما أن تقول بما أجمعوا عليه ، وبترك ما اختلفوا فيه ، وهو قولنا هذا الذي خالفتنا فيه ، أو تأخذ بأكثر ما قيل بلا دليل فتصير قافيا ما ليس لك به علم ومثبتا حكما بلا برهان ، فهذا حرام بنص القرآن ، وبإجماع الأمة ، لم يقل به أحد ، ويصير قائله منتهكا إما عرضا حراما ، وإما مالا حراما ، وإما موجبا شرعا لم يأذن به الله تعالى ، وكل ذلك حرام لا يحل أصلا . وإما أن يترك هذين القولين فيفارق الاجماع جملة ، ويأتي أيضا بقول لم يقله أحد فإذ قد سقط هذان القولان بالضرورة البرهانية ، صح القول الأول ضرورة بيقين لا بد منه ، وبالله تعالى التوفيق . فإن قال قائل : لا يجوز أن يخلو أحد القولين من دليل عليه ، إما أن يقوم الدليل على صحة القول بالمقدار الأقل ، وإما أن يقوم الدليل على صحة الزيادة عليه . قال أبو محمد : لسنا نحتاج إلى التطويل معه ههنا ، لكنا نقول ، وبالله تعالى التوفيق ، لسنا ننازعك فيما قام الدليل عليه ، وإنما نسألك عن مسألة قال فيها قوم بمقدار ما ، وقال آخرون بزيادة لا دليل عليها بأيديهم - شرط أن تكون المسألة من مسائل الاجماع المجرد التي قد أحال النص فيها على طاعة أولي الامر منا على اتباع سبيل المؤمنين .